ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
31
معاني القرآن وإعرابه
اختلف الناس في قبول شهادة القاذف ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا تَابَ مِنْ قَذْفِهِ قُبِلَتْ شهادَتُه . ويروى أَنَ عُمَر بنَ الخَطَابِ قَبلَ شهادة قاذفيْن ، وقال لأبي بكرة إنْ تُبْتَ قَبِلتُ شَهَادَتَك . وتوبتُه أَن يرْجَع عن القذف . وهذا مذهب أكثر الفقهاء ، وأما أَهْلُ العِرَاقِ فيقولون شهادَتُه غير مقبولة لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) ، قالوا ، وقوله : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . قالوا : هذا الاستثناء من قوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) ، فاسْتُثْنِيَ التائبُونَ مِنَ الفَاسِقين . وقال من زعم أن شهادته مَقْبُولَةٌ أن الاستثناء من قوله : ( وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبداً . إِلا الَّذِينَ تَابُوا قالوا وقوله : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) صِفَةٌ لَهُمْ . وَأَجْمَعُوا أن من قذف وهوكافر ثم أسلم وتَابَ ، وكان بَعْدَ إسْلاَمِه عَدْلاً قبلت شَهادَتُه وإن كان قاذفاً ، والقياس قبول شهادة القاذف إن تاب واللَّه - عزَّ وجلَّ - يقول في الشهادات : ( مِمنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ ) فليس القاذف بِأَشد جُرْماً مِنَ الكافِر ، فحقه أنه إذا تاب وأصلح قُبِلَتْ شهادَتُه ، كما أن الكافِرَ إذا أسلم وأصلح قبلت شَهادَتُه . فإن قال قائل : فما الفائدة في قوله ( أَبَدًا ) ؟ قيل الفَائِدَةُ أن الأبدَ لكل إنسان مقدار مُدتِهِ في حياته ، ومقدار مدَّتِه فيما يتصل بقصَّتِهِ . فتقول : الكافر لا يُقْبَلُ منه شَيْء أَبَداً فمعناه ، ما دام كافراً فلا يقْبَلُ منه شيء . وكذلك إذَا قُلْتَ : القَاذِفُ لا تُقْبَل منه شَهادَة أبداً ، فمعناه ما دَامَ قَاذِفاً ، فإذا زال عنه الكفر فقد زال أَبَدُه ، وكذلك القاذفُ إذا زال عنه القذفُ فقد زال عنه أَبَدُه ، ولا فرقَ بين هَذا وذَلكَ . - وتقرأ ( ثم لم يأتوا بِأربَعَةٍ شهدَاءَ ) - بالتنوين - ( فَاجْلِدُوهًمْ ) ، فأرْبَعة